Archive for the ‘بحر السياسة’ Category

الثورى و الثورجى 🙂

أولى مشاركاتى مع زوايــــا
أفكار المبدع إسلام العدل

 

منتظر آراءكم 🙂

Advertisements

” احذروا الفتنة .. احذروا المؤاااااااااااااااامرة !!!! ”

  هذا النداء لم يتوقف أبداً منذ الأيام الأولى لثورة ، بل تصاعد و تزايد و تنوعت أشكاله و أبواقه و تناثرت بين شتى وسائل إيصال الكلمة للناس ، فلربما أصبح لزاماً على كل ذى عقل أن يقف قليلاً ليفكر فى الأمر ، و يعطى الحالة الثورية الحماسية إجازة قصيرة ليعمل فيها العقل بهدوء ، ليجيب على التساؤل الملح ، هل نحن ضحايا مؤامرة كبرى ؟؟

  أحمق هو من يظن أنه لا توجد أى مؤامرة ، بل إن المؤامرة موجودة منذ خلق الله الإنسان و أوجده على الأرض ، بل من قبل أن يوجد على الأرض أيضاً ، إنها مؤامرة ذلك الذى طرد من رحمة الله و عفوه عندما تعالى على الإنسان و ظن أنه خير منه ، إنها مؤامرة الشيطان التى نجح فى فصلها الأول فى إخراج آدم و زوجه من الجنة و إنزالهما و ذريتهما لسكنى الأرض و بدء التحدى الأبدى إلى أن يرث الله الأرض و من عليها ، عندها أعلنها الشيطان صريحة حرباً ضروساً على بنى آدم ، و سجل القرآن اعترافه هذا فى غير موضع واحد من آياته ، فيقول تعالى : ” قَالَ رَبِّ فَأَنظِرْنِي إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ (79) قَالَ فَإِنَّكَ مِنَ الْمُنظَرِينَ (80) إِلَى يَوْمِ الْوَقْتِ الْمَعْلُومِ (81) قَالَ فَبِعِزَّتِكَ لَأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ (82) إِلَّا عِبَادَكَ مِنْهُمُ الْمُخْلَصِينَ (83) “ ( ص 79 : 83 ) ، و يقول تعالى أيضاً : ” قَالَ فَبِمَا أَغْوَيْتَنِي لأَقْعُدَنَّ لَهُمْ صِرَاطَكَ الْمُسْتَقِيمَ (16) ثُمَّ لآتِيَنَّهُم مِّن بَيْنِ أَيْدِيهِمْ وَمِنْ خَلْفِهِمْ وَعَنْ أَيْمَانِهِمْ وَعَن شَمَآئِلِهِمْ وَلاَ تَجِدُ أَكْثَرَهُمْ شَاكِرِينَ (17) ” ( الأعراف 16 : 17 ) ، و مواضع أخرى من القرآن ، تدلنا جميعاً إلى أمر واحد ، هى حرب ضروس أبدية ، بين الحق و الباطل ، مهما تعددت الصور و الأشكال ، فهى حرب لا هوادة فيها ، لذا نقول أنا ما من كيان أو جماعة تتآمر على أهل الحق لإسقاطهم و إيقاع الهزيمة بهم إلا و هى صورة مسقطة لمن أعلن بدء الحرب منذ أن وجد آدم فى الكون ، و عليه فلن يترك أبناءه فى سلام ، و سيحشد لهم حشوده حتى من أبنائه أنفسهم ، لكن هناك حقيقة أثبتتها الوقائع و الأيام و أكدها التاريخ أيما تأكيد فى مواضعه المختلفة ، لا يظهر الباطل على الحق إلا و الحق ساكن خامل مخدر الأطراف خائر القوى ، و ما إن يستيقظ الحق و أتباعه و يعملون بصدق و جد إلا و يسقط الباطل و من معه ، أما أن يعلق الكسالى و المتخاذلون ضعف حركتهم و هوانهم خنوعهم على مؤامرة الباطل فهذه هى الذلة و الضعف فى أبسط صورهما ، و صدق من قال ” الحق أبلج و الباطل لجلج ” .

  يتحاذق البعض من مدعى العلم و يصوبون سهامهم نحو من يطالب بحقه فى الحرية و العزة و الحياة الكريمة ، و على الفور تجد قذيفة ” الفتنة ” تنطلق نحو هؤلاء ، و أنهم صانعوها و مشعلو حرائقها ، و على الجميع إتقاء هؤلاء الأشرار الفجار و الابتعاد عن طريقهم الضال المضل ، ليتلقى مرضى النفوس هذا الكلام بدورهم ليذيعوا فى العالم كله أن الإسلام و أهله ضد الحرية و المطالبة بالحقوق الشرعية ، و ما أرى هؤلاء أو هؤلاء إلا أناس يهرفون بما لا يعرفون ، و الله ما جاء هذا الدين إلا لحرية الإنسان و كرامته و عزته ، و تخليصه من القيود المذلة فى العبودية للعباد ، و التحليق فى أفق العبودية و التبعية لرب العباد ، و ما يكون اتباع هذا الدين و لا يصح إلا بكامل الحرية ، و اسمع قوله تعالى ” وَهَدَيْنَاهُ النَّجْدَيْنِ ” ( البلد 10 ) ، و اسمع ايضاً  ” إِنَّا هَدَيْنَاهُ السَّبِيلَ إِمَّا شَاكِراً وَإِمَّا كَفُوراً ” ( الإنسان 3 ) ، ثم تتخلص هذه القاعدة الأساسية تحت عنوان لا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ ” ( البقرة 256 ) ، و تفصل فى فَمَنْ شَاءَ فَلْيُؤْمِنْ وَمَنْ شَاءَ فَلْيَكْفُرْ ( الكهف 29 ) ، ثم تحسم فى قوله تعالى أَفَأَنْتَ تُكْرِهُ النَّاسَ حَتَّى يَكُونُوا مُؤْمِنِينَ ” ( يونس 99 ) ، هذا فى أمر الدين الذى هو أعظم و أهم شىء فى حياة الإنسان ، فكيف هو الحال فى باقى نواحى الحياة ؟ إن الحرية أساس لكثير من أمور الحياة المصيرية التى تبطل بدونه ، فالزواج يكون باطلاً بالإكراه ، و كذلك الطلاق و البيع و التعامل مع أموال الآخرين ، و الكثير و الكثير من أمور الحياة التى لم يتركها الإسلام دون أن يحدد قواعدها الأساسية ، و كان أو ل و أهم شرط فيها هو حرية الاختيار ، دين كهذا يعظم قيمة الحرية و يحافظ عليها و يحرم الاعتداء عليها بغير حق ، و يعلى شعار كرامة بنى الإنسان و يقف ضد من يقترب منها و لو باليسير منها بالقول أو الفعل ، بل و يبرأ ممن يفرط فى حريته و كرماته ذليلاً مستسلماً ليقول النبى – صلى الله عليه و سلم – : ” من أعطى الذلة من نفسه طائعاً غير مكره فليس منى ” ، كيف بالله عليكم يأتى علينا هذا الزمان الذى يخرج فيه بعض ضيقى العقول و محدودى الفهم ليمنعوا الناس من التعبير عن آراهم و رفض حكم الظلمة و المتجبرين و آكلى حقوق الناس بالباطل باسم الإسلام ؟ كيف تناسى هؤلاء أحاديث الرسول – صلى الله عليه و سلم – عن أفضلية الجهاد فى رفض حكم الحاكم الظالم و مواجهته و تقبيحه للأمة التى ترضى بهذا الذل و الهوان حتى و إن كانت أمته هو حين قال : ” إذا رأيت الأمة تهاب أن تقول للظالم يا ظالم فقد تُوُدّع منهم ” ، ثم يتمسكون برؤاً ضيقة لهم لأحاديث أخرى لا تتعلق بهذا السياق ، و لكنهم يأتون بها فى غير موضعها ليبرروا ما يقولون ؟ كيف يأتون بذلك كله تحت دعاوى الأمن و الأمان و اتقاء الفتنة ؟؟

 ألا فى الفتنة سقطوا ..

  هل نسى هؤلاء أن أمة الإسلام ما تهاوت فى تاريخها إلا عندما سقطت تحت براثن الحكام الظالمين ؟ هل نسيوا أن أهل الدعوة كانوا دائماً يحاربون و يعادون من قبل السلطات الظالمة على مر التاريخ الإسلامى و حتى عصرنا الحديث ؟ هل نسيوا الحسن البصرى و سعيد بن جبير و ابن تيمية و ابن القيم و ابن حنبل و الغزالى و العز بن عبد السلام و عمر مكرم و حسن البنا و غيرهم الكثيرين ؟

   يجدر بى هنا أنا أنقل كلمات قيمة للشيخ الراحل محمد الغزالى رحمه الله من كتابه ” قذائف الحق ” الذى جعل فيه مقالاً كاملاً تحت عنوان ” لا دين حيث لا حرية ” ، كان مما قاله فيه :

” إن الحرية هي الصديق الأول لديننا ، و عندما ينهض الحكم في بلادنا علي أساس الرضا الشعبي و التجاوب مع إرادة الجماهير ، فلن يكون إلحاد و لا إنحراف ، سيكون الحكم إسلامياً حتماً ، فتلك رغبة الكثرة الساحقة من أبناء الأمة .

  إن إذلال الشعوب جريمة هائلة ، و هو فى تلك المرحلة النكدة من تاريخ المسلمين عمل يفيد العدو و يضر الصديق ، بل هو عمل لحساب إسرائيل نفسها ، فإن الأجيال التى تنشأ فى ظل الاستبداد الأعمى تشب عديمة الكرامة قليلة الغناء ضعيفة الأخذ و الرد ، و مع اختفاء الإيمان المكين و الخلق الوثيق و الشرف الرفيع ، و مع يوع النفاق و التملق و الدناءة ، و مع هوان أصحاب الكفايات و تبجح الفارغين المتصدرين ، مع هذا كله لا تتكون جبهة صلبة ، و صفوف أبية .

  إن البيئات التى تستمتع بقدر كبير من الحرية هى التى تنضج فها الملكات و تنمو المواهب العظيمة ، و هى السناد الإنسانى الممتد لكل رسالة جليلة و حضارة نافعة ” … رحم الله الغزالى .

 و كذلك يقول الأستاذ الكبير فهمى هويدى فى كتابه ” القرآن و السلطان ” :

”  إن وضع قضية الحرية على هذه الدرجة من الأهمية و الأولوية هو منهج الإسلام منذ نزلت الرسالة على البشر ، فمعركة الإسلام الأولى لم تكن مع عوائد الناس و طبائعهم و قضية الإسلام الأولى لم تكن مع طبائع الناس و عوائدهم ، و قضية الإسلام الأولى لم تكن إصدار الأوامر و النواهى ، و إنما معركة الإسلام الأولى كانت فى مواجهة الوثنية و الشرك ، كانت فى تحطيم الأصنام و إسقاط العبودية لغير الله ، و قضية الإسلام الأولى استهدفت تحرير الإنسان و رد كرامته إليه باعتباره مخلوق الله المختار و خليفته سبحانه فى الأرض .

  إن التفكير الإسلامى لا يمكن أن يستقيم فى غيبة الحرية ، و غاية ما يستطيعه فى مناخ كهذا هو غما أن ينغل بتوافه و صغائر الأمور ، أو أن يهرب إلى حيث يصبح فى مأمن من المصادرة و البطش .

 فى غيبة الحرية تسود قيم الوثنية ، و تمتد القداسة و الحصانة ( لساداتنا و كبرائنا ) ، و ( ما وجدنا عليه أباءنا ) إذا استخدمنا تعبيرات القرآن الكريم . “

  عجيب جداً أن نأتى بعد هذا كله لنجد من ما زالوا يتحدثون ذلك الحديث البالى المتهالك ، و يشيعون بين البسطاء من الناس و قليلى العلم و الثقافة ممن تم تجهيلهم و تهميشهم عمداً ، أن ما حدث ما كان إلا كارثة سببت الفوضى و انعدام الأمن و ارتفاع الأسعار و انفلات الأخلاق ، و يتصاعد الحديث حتى يصل إلى تلك الفتنة الكبرى فى مصر و المؤامرة الكبرى على العرب و الإسلام و التى تدار بواسطة إسرائيل و أمريكا ، فعن أى استقرار نتحدث ؟ و من أى فتنة نخاف ؟ و ماذا يفيد أمريكا و إسرائيل فيما يحدث ؟

  الاستقرار يا سادة ليس فى النظم القمعية التى تحكم البلاد بالقبضة الأمنية و بالبطش و التعذيب و الأجهزة التى ترصد الإنسان فى كل أناته و سكناته ، و لاتتورع فى أن تفعل به أى شىء فى أى وقت تحت ادعاء ” حفظ أمن البلاد ” و هو ادعاء كاذب لا ريب ..

  الاستقرار يا سادة ليس فى قمع الحريات و تكميم الأفواه و طمس الحقائق و تزوير إرادة الناس و تضليلهم و التدليس أمام قنوات الرأى ..

  الاستقرار يا سادة ليس فى تجهيل الشعب و تخريب نظمه التعليمية و الفكرية و الثقافية ، و بناء منظومة إعلامية فاسدة مفسدة تفعل بالعقول أسوأ مما تفعله بها المخدرات و الخمور ..

  الاستقرار يا سادة ليس فى الاستيلاء على مقدرات الشعب و نهب خيراته و استحواذ فئة قليلة على منافذ الخير فى البلاد ، لتمتلئ بطونهم حتى تكاد تنفجر ، و يجوع الكثيرون و الكثيرون ..

  الاستقرار يا سادة ليس فى الأمراض التى يحملها الماء و الغذاء ، و لا فى ضياع أرواح المئات و الآلاف من الناس نتيجة الإهمال و انعدام الضمير دون أن يخضع أى مسئول للمحاسبة ..

  إنما الاستقرار أن تأخذ قرارك .. و تعد عدتك .. و تخرج عن صمتك .. و تعلن عزمك على بدء جهادك الطويل .. حتى تهزم الظلم و الفساد و تشعهما لمثواهما الأخير ، و تعيد هذه الأمة المهزومة رسمياً منذ سنوات طويلة إلى مكانتها الطبيعية ، و ما هذا باليسير أبداً ، فلن نبلغ المجد حتى نلعق الصبر ، و ما كانت الكرامة المسلوبة و الحرية المنتهكة ابداً تسترد إلا بتضحيات باهظة ، و لكنها تظل بخساً أمام ما تحصل عليه بالمقابل كرامة و إنسانية و حرية ، أما إن أردنا غير ذلك و آثرنا دائماً العافية ، فسنظل كالأنعام ، بل أضل .

  يبقى الحديث عن الفتنة و المؤامرة الذى يروج له البعض حديثاً له تأثيره على الكثيرين ، بالرغم من أنه يفتقد للكثير من التفكير المنطقى و العاقل و فهم الواقع و الأحداث بل و مراجعة التاريخ ايضاً ، فلا أستطيع أن أنكر المؤامرة ،  و منطقى فى ذلك هو ما ذكرت فى أول كلامى ، و الحديث الدائم عن الشرق الأوسط الجديد و مشروع برنارد لويس ليس حديثاً فارغاً ، و ما سايكس بيكو مننا ببعيدة ، و ما كان ماحدث من تقسيم كارثى للسودان هراءً ، و لكننى أرى على الرغم من ذلك كله أمراً آخر ، و هو أن المؤامرة هى أن يبقى المرء حبيساً فى هذه المشاعر و الأفكار حول المؤامرة ، يبقى قيد هذا التفكير ليل نهار ، حتى يصبح عاجزاً عن فعل أى شىء ، دائم الشك و الارتياب فى كل شىء و فى أى أحد ، و كل هذا تحت دعوى المؤامرة ، فالأمر هنا قد يتحول لحالة مرضية ، بدلاً من أن تجد هذا الشخص طاقة إيجابية فعالة تصحح الخطأ و تعين على الصواب ، فلمرضى المؤامرة أقول : إن نسيتم ، تذكروا قوله تعالى : وَيَمْكُرُونَ وَيَمْكُرُ اللَّهُ وَاللَّهُ خَيْرُ الْمَاكِرِينَ‏ ” ( الأنفال 30 ) .

  عندما ننظر لثورتنا و لثورات إخواننا العرب علينا أن نفكر ما الذى يفيد أعداءنا منها و ما الذى يخيفهم منا ، فما قامت الثورات من أجل فراغ أو رفاهية ، و لكن قامت لإسقاط أنظمة فاسدة مستبدة تابعة لأمريكا و إسرائيل و متحالفة معها ، و إذا كان البعض يرى أنها تفتح باباً للاحتلال ، ألم نكن محتلين بالفعل سياسياً و اقتصادياً و فكرياً ؟ ألم تكن التبعية المطلقة من الحكام لأمريكا ضرباً من ضروب الاحتلال ؟ الاحتلال ليس بالعسكر فقط ، بل إن هناك ما هو أقوى ، لقد كانت بلادنا محتلة بلا أدنى مقاومة ، و بالتالى فإن أمريكا و إسرائيل عندما تفقد هذا الاحتلال ستسعى لإعادته مرة أخرى بصورة أو بأخرى ، لكنها لا يمكنها أن تتحمل أن نأتى فى مصر بالأخص أو فى البلاد العربية و الإسلامية عموماً بقيادات تأتى من اختيار حر واعِ من شعوبها ، ذلك لأن الشعب فى مصر بالأخص تبقى من أهم عقائده عداوة إسرائيل و أمريكا و كرههما التام ، فأياً كان اختيارهم الحر لن يستطيع إلا أن يعبر عن إرادة الشعب ، و للدليل لاحظوا صراخ و عويل إسرائيل المستمر منذ سقوط مبارك و حتى الآن حول كامب ديفيد و معاهدة السلام و ضرورة حفاظ مصر عليها ، ثم كان ما كان عند الحدود ثم ما تبعه عند السفارة الإسرائيلية ، كل هذا أدى إلى حالة غير مسبوقة من الفزع فى الداخل الإسرائيلى و القيادة الأمريكية بالتبعية ، لذا فإن هذا المعسكر لو حاول أن يتدخل فى الداخل المصرى قسيسعى جاهداً لإحلال ديكتاتور جديد سيكون أشد و اقسى من سابقه المخلوع ، و هذا ما علينا الانتباه أشد الانتباه له ، عندما تتحقق معانى الحرية و الكرامة للمصريين و العرب ستتفتح عقولهم و يعرفون ماضيهم و حاضرهم ، و يصنعون مستقبلهم ، سيعودون لإسلامهم و ما يدعوهم إليه من مجد و كرامة و تقدم و سيادة للأمم بالعلم و العمل و الأخلاق ، ستستيقظ فيهم النخوة العربية التى أماتها الجوع و القهر و الجهل و المرض الذى دأب الطغاة على زرعهم بينهم ، و ستعود فعلاً أمجاد كانت جزءاً من تاريخ قديم ، و لكن ما المطلوب تحديداً ؟

  المطلوب مننا أن نعى جيداً ما يدور حولنا ، و أن نستكمل المسيرة الثورية التى ما زال أمامها الكثير و الكثير من التطهير و التغيير ، و علينا الالتفات لمؤامرات الداخل التى هى أخطر من مؤامرات الخارج ، مؤامرات تسعى لسرقة ما كان ثمنه الدماء و الشهداء ، علينا أن نتحمل ما نحن فيه فهى حرب لا هوادة فيها ، ننتصر فيها بإصرارنا و حرصنا على تحقيق أحلامنا ، و الاستعداد لتحمل المشاق و التضحيات ، و المحافظة على وحدة الصف و الكلمة ، فإنما يأكل الذئب من الغنم القاصية ، هذا إن أردنا حقاً أن ننتصر و نبنى بلادنا و نصنع مستقبلاً حراً كريماً بعيداً عن أيدى أعدائنا ، أما إذا استمر هذا الكلام العقيم طويلاً الذى ما انتكست الثورة و تأخرت إلا بسببه ، فهنيئاً لنا جمعاً بعودة مبارك قريباً على طريقة ” عــاد لينتقم ” .

زيــــــاد رشـــــدى

16-10-2011

منذ بدء الاعتصام الأخير فى ميدان التحرير فى جمعة 8 يوليو التى عادت فيها القوى السياسية المتناحرة إلى نوع من التوافق المفقود بينها منذ فترة طويلة ، و لكن مع بدء الاعتصام بدأ الشقاق مرة أخرى ، و البعض قرر الدخول فى الاعتصام المفتوح و البعض الآخر قرر عدم المشاركة فى الاعتصام و الاكتفاء بمليونيات الجمعة ، ليست تلك هى المشكلة ، و لكن كيف تعامل هؤلاء مع هؤلاء ؟ و كيف جرى الاعتصام ؟ و ما هى مطالبه ؟ أسئلة كثيرة متناثرة .

 

مع توالى الأيام بدأ الأمر يشتعل و بدأ الفريقان يكيلان لبعضهما الاتهامات ، ما بين خيانة للثورة و لدماء الشهداء من ناحية ، و بين عمالة و تخريب للبلاد من ناحية أخرى ، و مع مرور الأيام ، و تصاعد الاعتصام وغلق الميدان ثم غلق المجمع  قبل إعادة فتحه ، سألت بعض من أثق بهم عن الوضع فى الميدان ، لم تكن إجاباتهم تعطى انطباعاً جيداً ، و خلال اليومين الماضيين قررت أن أستغل تواجدى بالقاهرة لأذهب إلى الميدان بنفسى لأرى الوضع هناك بغينى لا بعين غيرى ، ذهبت إلى هناك مرتين و تجولت بالميدان و خرجت بمشاهدة قد أكون مخطئاً فيها أو مصيباً ، و سأحاول عرضها عليكم كما شاهدتها ، و أسأل الله أن أكون صادقاً فيما أقول .

 

بكل أسف أقول أننى لم أر ميدان التحرير الذى أعرف ، بل يصدق فيه وصف أحد الأصدقاء ” مولد سيدى التحرير ” ، هكذا كان للأسف ،شعرت هناك بالغربة ، كأنى نزلت ميداناً آخر غير ميدان التحرير الذى أعرف ، بالطبع العدد لم يكن كبيراً ، و لكن ليست تلك المشكلة ، الباعة الجائلون يمثلون حوالى ثلث من فى الميدان ، تراهم فى كل شبر فى الميدان يبيعون أى شىء فى الحياة ، المتسولون يظهرون ظهوراً غير معتاد ، و لكى لا يتهمنى أحد بالبرجوازية فأنا لست ضد الباعة الجائلين ولا المتسولين الذين هم من أهم ضحايا نظام مبارك ، و لكننى أتحدث عن أمر جديد على الميدان الذى ألفته فى المرات القليلة التى نزلت إليه فيها ، و ربما يشاطرنى الرؤية تلك من كانوا فيه أيضاً .

 

من أخطر الملاحظات – إن لم يكن أخطرها على الإطلاق – ظهور التحزبات و المسميات ، اللافتات المرفوعة تجد معظمها يحمل أسماء أحزاب أو تيارات مختلفة ، بل و تجد بعضها يهاجم تيارات أخرى ، بل و تجد ذلك أيضاً فى تقسيمة الخيام داخل الميدان ، و هو ما يشير بكل أسف إلى أن الميدان قد فقد كلمة السر و مفتاحه السحرى الذى كان وراء الصمود فيه أمام مبارك ، للأسف فقد الميدان روح ” إيد واحدة ” ، فتشرذم أبناؤه و تفرقوا تفرقاً بغيضاً لا أراه يحقق مكاسب لأحد .

 

هتافات و ألفاظ تسمع لأول مرة فى الميدان ، هجوم على كل من يختلف مع من بالميدان فى الرأى ، و ما الدكتور صفوت حجازى مننا ببعيد ، تراجعت تلك الروح الرائعة التى كانت دائماً تعم الميدان من ألفة و بهجة بين أبنائه ، فأصبح الميدان فضلاً عن مكان لاعتصام المعتصمين ، أصبح متنزهاً شعبياً للبعض و مكاناً لتقفى الرزق للبعض الآخر ، تحول من صورة مضيئة ناصعة الإشراق رائعة الألوان ، إلى صورة باهتة خافتة الإشراق .

 

قد أكون كما قلت مخطئاً فى وجهة نظرى تلك ، و الوضع هناك قد لايكون كارثياً ،  و لكنه سىء للغاية إذا ما قورن بميدان التحرير بين 25 يناير و 11 فبراير ، و إحقاقاً للحق فأنا لم أشاهد بعينى ما يؤكد وجود عملاء أو مندسين ، لكن بعض الأمور التى لا تعدو إحساساً بالأمر هى ما رأيته ، لذلك أنا لا أنفى الأمر أو أثبته ، و لكن سوء التصرف و الاندفاع الأعملا يكون أحياناً أسوأ من العمالة ، فالطريق إلى جهنم مفروش بالنوايا الطيبة ، و هنا ألقى بالمسئولية فيما يخص الوضع بالميدان على عاتق الجميع ، سواء القوى السياسية أو المجلس العسكرى أو الحكومة أو الجماهير ، الكل مسئول عما حدث و إن تفاوتت درجة المسئولية ، لقد ساهم الجميع فيما حدث و خلو ميدان التحرير من روحه الحقيقية ، و هنا تعود المسئولية على الجميع فى العودة مرة أخرى إلى كلمة السر ” إيد واحدة ” ، و تذكر كلام الله تعالى ” وَلاَ تَنَازَعُواْ فَتَفْشَلُواْ وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ ” ، بالله عليكم / وحدوا الكلمة و الصف ، فهذا هو المنعطف الأخطر فى هذه الثورة .

 

إذا قابلت أحدهم و سألته عن عدد أبنائه فوجدته يقول : ” عندى بنت واحدة توأم ” ، ثم أكمل الإفيه السخيف معللاً : ” بتقلب بالليل ” ، فلا تتعجب ولا تندهش ، فهذه هى سمة العصر ، الكل يقلب و يتحول بالليل و بالصبح و فى أى وقت و أى حالة حسب ما يستدعيه الموقف ، و إذا وجدت شخصاً يلعب يميناً و يساراً و على كل الأوتار و فى كل الاتجاهات فلا داعى للدهشة ، فهو يؤمن بمبدأ اللاعب الحر ، يمكن ربنا يكرمه بعقد فى الأهلى أو حتى أسمنت أسيوط ، المهم أن يكون هدافاً ، حتى و إن ذهب باقى الفريق إلى …… .

  ازدواجية عجيبة صارت تسيطر على مجتمعنا سواءً كنا نتحدث عن الأفراد او الجماعات أو التيارات أو حتى المؤسسات و الحكومات ، لا أراها اختلفت كثيراً بين حالها قبل الثورة أو بعدها ، و إن كانت الثورة قد فضحت الكثيرين و أسقطعت الكثير من الأقنعة ، سواء فى ملاعب السياسة أو الإعلام أو الثقافة أو الفن ، لكن الأمر أصبح أشبه بالميكروب ، يستشرى بغرابة و بتأثير متفاوت ، لكنه حاضر عند الأغلبية ، و ربما يكون مرضاً من الأمراض التى خلفها لنا العصر البائد ، يضاف لقائمة طويلة تضم الفشل الكلوى و السرطان و الفيروسات الكبدية و غيرها من هدايا عصر مبارك لصحة المصريين ، نرى تلك الازدواجية فى المعايير و الكيل بمكيالين منعكسين على أحاديث النخب السياسة و الثقافية و الإعلامية ، حتى انعكس الأمر على رجل الشارع ، فإلى أين سيصل ؟؟

 لم أندهش من التحولات السحرية التى طرأت على أغلب مهللى النظام السابق عقب سقوط مبارك مباشرة على طريقة ” مات الملك .. عاش الملك ” ، و لم أتعجب من أحاديثهم المتوالية عن عظمة الثورة و بشاعة فساد النظام الذى كانوا جزءاً منه ، حتى عندما بلغ الحد منهم أن حاولوا وصف أنفسهم بمفجرى الثورة ، فتلك هى شيم  الكاذب المتمرس ، أما أن أجد الأمر يظهر جلياً فى هذه الأيام  فهذا أمر خطير ..

  فالذين هاجموا مظاهرات السلفيين بشدة و اعتبروها خطراً على الأمن العام لم يعتبروا مظاهرات الأقباط أمام ماسبيرو بهذه الخطورة ، و الذين هاجوا و ماجوا عندما قطعت أذن أحد المواطنين فى الصعيد لم ينطقوا بكلمة إزاء الجريمة البشعة التى قتلت فيها ” سلوى عادل ” التى أسلمت فقتلها إخوتها هى و ابنها و حاولوا قتل زوجها و ابنها الآخر ، هل هذا من المقبول يا سادة ؟؟

 السلفيون اليوم يثورون من أجل كاميليا و وفاء ، فأين كانوا حينما قتل الشهيد ” سيد بلال ” الشاب السلفى الذى قتل بالتعذيب على يد زبانية نظام مبارك و العادلى ؟

 الإخوان الذين يعلنون تطوير الجماعة و تجديد دمائها ، و يعلنون أن الحزب سيستقل عن الجماعة ، ثم نجد رئيس الحزب و نائبه يخرجون من مكتب الإرشاد و يختارهم مجلس شورى الجماعة ، بل و هما بعيدان عن الفكر التجديدى للجماعة ..

 الليبراليون ينادون و يتشدقون بحرية الفكر و الرأى ، و فى المقابل تجدهم يدعون لإلغاء فصيل فكرى و سياسى بأكمله فقط لأنه لا يتوافق مع ما يريدون ..

 بل و الأعجب من هذا و ذاك ، أن تجد بعض من كانوا محسوبين بآراءهم و أعمالهم على النظام القديم ، تجدهم اليوم سيمع لهم و يؤخذ بآرائهم و يقال لهم : ” يا سلام .. قول يا أستاذ كمان و كمان ” !!

 قد أكون مبالغاً ، لكنى لست جاهلاً ، و أعلم تمام العلم أن الأمر ليس وباءً استشرى بين الجميع ، و أن هناك من هم أصحاب كلمة و رأى و ثبات ، أحترمهم و أرفع لهم القبعة حتى و إن كانوا مخالفين لرأيى ، و لم أتحدث فى هذا الأمر لأتصيد الأخطاء لهذا أو لذاك أو للتشكيك فى مصداقية أى أحد ، و لا أسعى لتعليق المشانق لأقل الأخطاء ، لكننى وددت أن أحذر من أن تصبح المعايير المزدوجة و سياسة الكيل بمكيالين فكرة عامة ، و أخشى أن أجد المجتمع بالكامل يعانى من شيزوفرينيا الأحكام و الأفكار ،  و عندها لن نحقق العدالة التى نرجوها و التى كانت أعظم غاية أسقطنا من أجلها نظام مبارك البائد ، و يتردد فى أذنى قول ربنا عز و جل : ” يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ كُونُواْ قَوَّامِينَ لِلّهِ شُهَدَاء بِالْقِسْطِ وَلا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَى أَلا تَعْدِلُواْ اعْدِلُواْ هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى وَاتَّقُواْ اللّهَ إِنَّ اللّهَ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ ” ( المائدة – 8 ) ، فهل ننتبه و نجعل الإنصاف و الثبات على الحق مبدأ هذه المرحلة ، أم نودى بأنفسنا إلى ما لا تحمد عقباه ؟؟

 معظم النار من مستصغر الشرر ، و الطواغيت لا تترعرع فى بيئات العدل و الإنصاف ، فلنحطم طاغوت مبارك من أنفسنا ، و إلا فموعدنا القادم مع مبارك جديد ، و لكن باسم مستعار و وجه مختلف .

http://www.facebook.com/note

زيـــاد رشـــدى

4– 5 –2011

 

كتبت هذا المقال قبل انتخابات مجلس الشعب الماضية فى 2010 ..

=============================

أخى المواطن المصرى المسكين الكادح ، يا من قصمت الحياة ظهرك و أثقلت الهموم حملك و كثرت الأحمال على عاتقك ، يا من أفنيت العمر انتطاراً لدورك في طوابير لا نهائية بين طابور الخبز و طابور الجمعية الاستهلاكية و طابور المعاشات و طابور السجل المدنى و سلسلة طويلة من الطوابير ، يامن صرت تسير في الشارع مصدوماً من كيلو اللحم الذى قد يقارب يوماً كيلو الذهب ، وصعقت حينما أصبحت الطماطم على حين غرة نادرة ندرة حيوان الباندا ، يامن لطمتك الحياة بين مدارس و جامعات أقنعتك أنها تعطيك العلم اللدنى ، ثم اكتشفت فيما بعد أنها لم تعلمك شيئاً ، يا من صرت تحلم بأن تجد مكاناً في الأوتوبيس تتعلق به تماماً كلاعبي الجمباز ، أدعوك الآن أخى المسكين لفاصل كوميدى قد يستمر لفترة ليست بالقصيرة ، و أعلم تماماً مدى احتياجك لمثل هذا الفاصل لتغسل به كآبتك وأحزانك ، و ذلك بعد أن صارت القنوات الكوميدية تتسابق فى تقديم مللها و عقمها لك ، لكنى الآن أعدك بالكوميديا الحقيقية ، فالآن موعدك مع العرض المنتظر الذى لا يأتى إلا كل خمسة أعوام ، العرض الذى ينتظره الملايين و يقدمه باقة من أبرع نجوم الكوميديا ، أقدم لك و بكل فخر انتخابات مجلس الشعب ………

تكثر بالفعل التفاصيل و الأحداث التى تثير الدهشة و الضحك أيضاً في هذا الحدث الذى تترقبه مصر كل خمسة أعوام لتشاهد تلك المسرحية الهزلية في كثير من أجزائها ، لكن دعونا نأخذ جانباً واحداً من الجوانب العديدة لذلك الحدث ، ليس هو جانب تهميش الانتخابات أو تغيير مفاهيمها لدى الشعب ، و ليس هو جانب التقسيم العجيب لأعضاء مجلس الشعب الذى فوجئنا به هذا العام و الذى يعجز الأطلس عن شرحه ، وليس هو جانب تفصيل النتائج بشكل لا يستطيع الجن الوصول إليه ، دعونا من كل هذا ، وتعالو نشاهد هذا المشهد الممتع ، مشهد إسمه : الدعاية الانتخابية .

لم تشأ الأقدار أن أكون رحالة يجوب البلاد بحثا عن الحقيقة الضائعة ، و لكنى لم أكن محتاجاً لذلك لكى أرى في الدعايات الانتخابية لمرشحينا العظام عجب العجاب ، يكفينى ما أراه في دائرتى العزيزة ، ويزيد ذلك ثراءً الدوائر التى أمر بها خلال انتقالى لمدينة أخرى للدراسة ، فضلاً عن روايات الأصدقاء و المعارف من دوائر عديدة ، كما أن التكنولو جيا الحديثة فتحت لنا الأبواب لنشاهد ما يبعد عنا آلاف الكيلومترات ، و أعتقد انى شبعت مما رأيته ، و سمعته ، حتى صرت أخشى الآن على نفسي من رؤية المزيد .

اعتدنا كثيراً على أن نشاهد في كل انتخابات فنونا من أساليب الدعاية التى يتبعها كل مرشح ، مطبوعات بأنواع و أحجام و أشكال مختلفة ، مؤتمرات عظيمة وسرادقات ضخمة ، هدايا و أموال و أطعمة توزع بالمجان ، وأناس لاتدرى من أين يأتون يهتفون لهذا أو ذاك ، وأكاد أقسم أن تلك الأموال التى تصرف في الدورة الانتخابية الواحدة خلال تلك الشهور القصيرة لكفيلة بسداد ديون مصر ، ولكن لن تكون هذه هى الغصة الوحيدة التى ستقف بحلقنا ، فمع مرور الوقت يزداد الهزل ، و اذا أردت أن ترى قمة الهزل تراه يتجلى في استخدام الآيات القرآنية ، و التى هى أطهر و أكرم و أعظم من استخدامها بهذا الشكل المزرى ، و بالطبع اعتدنا على بعض الآيات مثل قوله تعالى : “إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت و ما توفيقي إلا بالله ” ، ولا تدرى عن أى إصلاح يتحدث المرشح ، كما نرى آيات مثل قوله تعالى :” وما النصر إلا من عند الله ” و أيضا : ” إن تنصروا الله ينصركم و يثبت أقدامكم ” وكأنها معركة حربية سيخوضها هذا المرشح المؤمن ضد كفار قريش !! و بالطبع من أجل أن يضع نفسه في أبهى صورة ترى قوله تعالى : ” من المؤمنين رجال صدقو ما عاهدوا الله عليه ” ، ولا تعليق ، لكن تجد هذا العام بعض الاقتباسات الغريبة من القرآن ، لاتدل إلا عن جهل صاحبها ، فمثلا تجد أحدهم يستخدم قول الله تعالى : ” وإنه لحب الخير لشديد ” ، معتبرا بجهله أنها مدح ، و لو هداه فكره المريض لأن يرجع إلى أى من كتب التفسير لوجد أنه اعترف على نفسه ، لكن أعجبنى كثيرا أحد المرشحين حين فضل أن يتذاكى على أهل دائرته حين استخدم قوله تعالى : ” وعسي أن تكرهوا شيئا هو خير لكم ” ، أما عن محاولات التملق و النفاق فحدث ولا حرج ، فيكفي أن تجد أحد المرشحين يطبع إعلاناً كبيراً واضعا عليه صورة السيد ” جمال ” مكتوباً عليها حديث رسول الله (صلى الله عليه و سلم ) ” إن الله جميل يحب الجمال ” ، و ياله من اقتباس ، ولو أكملت ذكر الأمثلة فلن أنتهى من هذا المقال ، و لن أحاول أن أحاسب أو أدعو لمحاسبة هؤلاء المرشحين على اقتباساتهم من القرآن و السنة و الذى لا أجد له وصفاً إلا أنه إهانة لهما لا تليق بمقامها الشريف و العظيم ، ولنتركهم لحسابهم مع الله ، فحسابه أقسى و أشد ، إلا من رحم ربي ، لكن أطرح سؤالا بريئاً بلا أى حساسيات ، أليست تلك الآيات و الأحاديث تعتبر شعارات دينية ؟ نرجو الإفادة من علماء الانتخابات ، و ما أكثرهم اليوم .

حتى لو ابتعدنا عن نطاق الآيات و الأحاديث و الاقتباسات الدينية ، فلن تتوقف تلك الكوميديا فستجد أيضا في الشعارات جملاً مثيرةً للانتباه و الدهشة و الضحك في أحيان عديدة ، كأن يكتب أحد المرشحين مثلا : “عاد إليكم من جديد ” (على أساس إنه كابتن ماجد ) ، وتجد آخر يقرر أن يتقمص دور أوباما فيقولها عالية مدوية : ” نعم نستطيع ” ولا أعلم ما الذى سنستطيع فعله ، وتجد آخر حالما رومانسيا يقول لك ” عشان الحب في دمنا … هننتخب ـــــــ كلنا ” ، و كأنه هانى شاكر أو كاظم الساهر ، فضلاً عن أن تكتشف مفاجأة كبيرة و هى أن هذا المرشح هو إبنكم و أخيكم و خادمكم المطيع ، وتجده بدون سابق إنذار منكم و بكم ولكم وفيكم و كل حروف الجر في لغتنا العربية ، و الغريب أنه في غير هذه المناسبة لا تجد أحداً من حروف الجر تلك بسهولة و كأنها أخفيت من اللغة العربية ، فلنستعد إذن سويا بعد فترة ليست بالطويلة بالبحث عنها ، ومن يجدها فليخبرنى .

لم أكتب تلك الكلمات لأسخر من أحد أو انتقص من قدر أحد ، و لا أكتبها لأهاجم أحداً بعينه أو أحسن موقف أحد ، فلست إلا شاب بسيط ، يحلم بأن يرى هذه البلد في مقدمة الصف ، حاول أن يعمل عقله قليلا و يبحث فيما يدور حوله ، لكنها والله شر البلية ما يضحك ، فلنضحك قليلاً علنا لا نجد الضحك فيما هو من قادم الأيام ، ولكن بعد أن نضحك لابد أن نفكر ونفهم ونرى ما يحدث حولنا ، فقد علمنا آباؤنا و أجدادنا أن مابنى على باطل فكله باطل ، وليس ما ذكرته إلا غيض من فيض تلك المهزلة الديمقراطية التى أصبحت نقطة سوداء في الحياة السياسية لهذا البلد حتى أصابت الكثيرين باليأس من المستقبل ، فأن تدار وتتم تلك الانتخابات بهذا الشكل لهو أمر يدعو للاشمئزاز و الأسى ، ولكن لا تجد وصفا أدق مما قاله المصطفي (صلى الله عليه وسلم ) : ” إن مما أدرك الناس من كلام النبوة الأولى : إذا لم تستح فافعل ماشئت ” ، صدقت أيها الصادق المصدوق ، فلقد أصبح الكثيرون يفعلون مايشاءون بلاحياء أو تورع ، و لا يدفع الثمن إلا المساكين أمثالى ، ولكن لنمسك بالقليل من خيوط الأمل لعلها تقودنا إلى النور ، فاليأس لن يقودنا أبداً إلا للهلاك ، وحتى موعد آخر لن يكون بالبعيد ، فهو بعد عام واحد فقط أو أقل ، دعونا نشاهد ما يحدث فيه ، آملين ألا يحتوى على الكثير من هذه الكوميديا الحزينة ، وحتى ذلك الموعد ، أتمنى لكم مشاهدة ممتعة .

زيـــاد رشـــدى

20-11-2010