ارحــــــل ..

Posted: 22 سبتمبر 2011 in مذاق الأدب, خواطر

فى البداية أردتها قصة قصيرة تصف مشهداً إنسانياً ..
لكن عندما يفرط الكاتب فى التعايش مع حالة ما يكتب .. تهرب الكلمات و تثور العواطف .. و يعلن القلم عصيانه .. و يأبى إلا أن يكتب ما يريد ..
و الآن لا أعرف كيف أصنفها أو أصفها ..

اقرأها كقصة .. اقرأها كخاطرة .. اقرأها كأى شىء
المهم أن تشعر بها .. كما شعر بها صاحبها ..

============================

 ها هو الليل ينتصف الآن ، حسب التوقيت الرسمى لمدينة الخواطر ، تلك المدينة المطلة على بحر الأفكار ذى الأمواج المتلاطمة ، تحتار فيه سفن العقل ، لا ترى لها مرسى و لا تعلم متى تهدأ تلك العواصف و الأمواج ، ليبقى الفلب متعباً متألماً ، فى رحلة البحث عن الدواء لما ألم به من داء ، و ليرتاح بعد طول عناء ، لكن تلك الراحة المنودة صعبة بعيدة المنال ، تحت وقع الأيام و فعل السنوات ، رغم مرورها و خطوبها ، لم تستطع أن تذهب بذلك الطيف أدراج الرياح ، ما زال يتراءى له فى كل مكان ، مهما فعل ، لا يستطيع محوه من مخيلته ..
لماذا لا يتركه ليمضى فى طريقه ؟
لماذا لا يدعه يتجاوزه ليكمل حياته ؟
لمـــاذا .. لا يرحـــل ؟؟

ذلك الطيف الذى ظننت أنه صار نسجاً راحلاً من الماضى ، يأبى إلا أن يكون حاضراً طاغى الحضور كلما سرت فى طريق البحث عن أمل جديد ، بعدما رحل ذلك الأمل الذى كنت أعيش به و له ، أسير فى حياتى ممسكاً به و مواجهاً به كل الأزمات و الصعاب ، كم صلت و جلت به فى عالم الأحلام لأحقق ما حلمت به طوال حياتى ، كم يدت به قصوراً و دياراً و قطعت به أميالاً و ضياعاً ، و لكن ما كل ما يتمناه المرء يبلغه ، تبخرت الأحلام و تبددت الآمال ، و فى لحظات تحول الأمل وهم ضائع فى غيابات جب الخيال ، انقلب كل شىء فجأة رأساً على عقب ، فقط لأنى أردت أردت أن أقطع ظلمات الش بنور اليقين ، لأنى لأنى أردت أن أعرف إلى طول تصل حبال آمالى و أى ثوة و شدة تبلغ ، ، فقط لأهبط من فضاء الأحلام إلى أرض الواقع ، فكان ما كان .. و ليته ما كان ، لكننى أحمد الله تعالى دائماًعلى ما كان أياً ما كان .

لقد انهار القصر الذى أضنانى بناؤه ، تشهد أركانه على بسمات و دموع ، انتصارات و إخفاقات ، انهار قبل قبل أن يستقبل مالكه بعد أن ازدان و تأهب لاستقباله ، انقضت أركانه و صار رماداً حين أعلنت النهاية لتلك الحكاية التى تجاوز عمرها الأيام و السنين ، و لكن تبقى أطلاله تطوى بين ثناياها بقايا من ذكريات لا تخلو من سعادة ، أجدنى أمر على تلك الأطلال كلما استمعت إلى هذه المقطوعة الموسيقية أو تلك الأغنية القديمة ، أو كلما حدثنى صديقى العزيز و كرر حديثه المعتاد عن حوادث يومه ، حتى يضطره الحديث لنب مدفونات الماضى و يعيد على مسامعى عبارته الرنانة : ” أيها الأحمق .. كيف ضاع ذلك الكنز من بين يديك ؟ ” ، عندها لا أرى أمامى سوى الأطلال ، و أشتم من بينها رائحة الذكريات ، فترتسم على وجهى تلك الابتسامة الحزينة ، باكيةً بغير دموع على أشلاء مستقبل فانٍ ، تبكى بكاء الجلد الصابر ، راضية بما قسمه الله ، تقول لى شيئاً واحداً : ” ما أصابك لم يكن ليخطئك .. و ما أخطأك لم يكن ليصيبك ” .

الآن علىّ أن أكمل المسير ، فأمامى الكثير و الكثير ، و ما عاد فى العمر بقية أكثر مما مضى ، سأكمل طريق حياتى ، سأحقق أحلامى و أهدافى ، سأنتصر و سأهزم الصعاب و سأعلو فوق الصغائر ، سأمضى و يقينى بربى لا ينقص مثقال ذرة ، سأمضى متمتعاً و مؤمناً برحمته و كرمه و عدله ..
و لكن .. حتى يعود ذلك النور ليضىء حياتى و ترق شمسها من جديد ..
أيها الطيف الراحل .. أيها الأمل المتبدد .. أيها الحلم الفانى ..
أرجوك ..
الزم مقعدك من الماضى و ابق حيث أنت فى موقعك من لوحة الذكرى ، أذكرك بخير كلما طالعت تلك اللوحة ..
ابتعد عن رحلتى حتى أجد ضالتى و أعيد النور و الدفء لحياتى ، و ابنى قصراً آخر ، بعد أن هدمت ما بنيت ، و ما بنيته إلا لك ..
أيها الطيف ..
أرجوك .. ارحــــــل …

زيــــاد رشــــدى
21-9-2011

اقرأها على صفحتى على الفيس بوك

Advertisements

منذ بدء الاعتصام الأخير فى ميدان التحرير فى جمعة 8 يوليو التى عادت فيها القوى السياسية المتناحرة إلى نوع من التوافق المفقود بينها منذ فترة طويلة ، و لكن مع بدء الاعتصام بدأ الشقاق مرة أخرى ، و البعض قرر الدخول فى الاعتصام المفتوح و البعض الآخر قرر عدم المشاركة فى الاعتصام و الاكتفاء بمليونيات الجمعة ، ليست تلك هى المشكلة ، و لكن كيف تعامل هؤلاء مع هؤلاء ؟ و كيف جرى الاعتصام ؟ و ما هى مطالبه ؟ أسئلة كثيرة متناثرة .

 

مع توالى الأيام بدأ الأمر يشتعل و بدأ الفريقان يكيلان لبعضهما الاتهامات ، ما بين خيانة للثورة و لدماء الشهداء من ناحية ، و بين عمالة و تخريب للبلاد من ناحية أخرى ، و مع مرور الأيام ، و تصاعد الاعتصام وغلق الميدان ثم غلق المجمع  قبل إعادة فتحه ، سألت بعض من أثق بهم عن الوضع فى الميدان ، لم تكن إجاباتهم تعطى انطباعاً جيداً ، و خلال اليومين الماضيين قررت أن أستغل تواجدى بالقاهرة لأذهب إلى الميدان بنفسى لأرى الوضع هناك بغينى لا بعين غيرى ، ذهبت إلى هناك مرتين و تجولت بالميدان و خرجت بمشاهدة قد أكون مخطئاً فيها أو مصيباً ، و سأحاول عرضها عليكم كما شاهدتها ، و أسأل الله أن أكون صادقاً فيما أقول .

 

بكل أسف أقول أننى لم أر ميدان التحرير الذى أعرف ، بل يصدق فيه وصف أحد الأصدقاء ” مولد سيدى التحرير ” ، هكذا كان للأسف ،شعرت هناك بالغربة ، كأنى نزلت ميداناً آخر غير ميدان التحرير الذى أعرف ، بالطبع العدد لم يكن كبيراً ، و لكن ليست تلك المشكلة ، الباعة الجائلون يمثلون حوالى ثلث من فى الميدان ، تراهم فى كل شبر فى الميدان يبيعون أى شىء فى الحياة ، المتسولون يظهرون ظهوراً غير معتاد ، و لكى لا يتهمنى أحد بالبرجوازية فأنا لست ضد الباعة الجائلين ولا المتسولين الذين هم من أهم ضحايا نظام مبارك ، و لكننى أتحدث عن أمر جديد على الميدان الذى ألفته فى المرات القليلة التى نزلت إليه فيها ، و ربما يشاطرنى الرؤية تلك من كانوا فيه أيضاً .

 

من أخطر الملاحظات – إن لم يكن أخطرها على الإطلاق – ظهور التحزبات و المسميات ، اللافتات المرفوعة تجد معظمها يحمل أسماء أحزاب أو تيارات مختلفة ، بل و تجد بعضها يهاجم تيارات أخرى ، بل و تجد ذلك أيضاً فى تقسيمة الخيام داخل الميدان ، و هو ما يشير بكل أسف إلى أن الميدان قد فقد كلمة السر و مفتاحه السحرى الذى كان وراء الصمود فيه أمام مبارك ، للأسف فقد الميدان روح ” إيد واحدة ” ، فتشرذم أبناؤه و تفرقوا تفرقاً بغيضاً لا أراه يحقق مكاسب لأحد .

 

هتافات و ألفاظ تسمع لأول مرة فى الميدان ، هجوم على كل من يختلف مع من بالميدان فى الرأى ، و ما الدكتور صفوت حجازى مننا ببعيد ، تراجعت تلك الروح الرائعة التى كانت دائماً تعم الميدان من ألفة و بهجة بين أبنائه ، فأصبح الميدان فضلاً عن مكان لاعتصام المعتصمين ، أصبح متنزهاً شعبياً للبعض و مكاناً لتقفى الرزق للبعض الآخر ، تحول من صورة مضيئة ناصعة الإشراق رائعة الألوان ، إلى صورة باهتة خافتة الإشراق .

 

قد أكون كما قلت مخطئاً فى وجهة نظرى تلك ، و الوضع هناك قد لايكون كارثياً ،  و لكنه سىء للغاية إذا ما قورن بميدان التحرير بين 25 يناير و 11 فبراير ، و إحقاقاً للحق فأنا لم أشاهد بعينى ما يؤكد وجود عملاء أو مندسين ، لكن بعض الأمور التى لا تعدو إحساساً بالأمر هى ما رأيته ، لذلك أنا لا أنفى الأمر أو أثبته ، و لكن سوء التصرف و الاندفاع الأعملا يكون أحياناً أسوأ من العمالة ، فالطريق إلى جهنم مفروش بالنوايا الطيبة ، و هنا ألقى بالمسئولية فيما يخص الوضع بالميدان على عاتق الجميع ، سواء القوى السياسية أو المجلس العسكرى أو الحكومة أو الجماهير ، الكل مسئول عما حدث و إن تفاوتت درجة المسئولية ، لقد ساهم الجميع فيما حدث و خلو ميدان التحرير من روحه الحقيقية ، و هنا تعود المسئولية على الجميع فى العودة مرة أخرى إلى كلمة السر ” إيد واحدة ” ، و تذكر كلام الله تعالى ” وَلاَ تَنَازَعُواْ فَتَفْشَلُواْ وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ ” ، بالله عليكم / وحدوا الكلمة و الصف ، فهذا هو المنعطف الأخطر فى هذه الثورة .

 

**أحداث القصة مستوحاة من حادثة حقيقية

كم يكون الصمت قاتلاً فى كثير من الأحيان ، و كم يكون الهدوء أحياناً أقسى على الأسماع و الأفئدة من أشد درجات الضجيج ، هذا ما أشعر به الآن ، يا لهذه الدقيقة الهادئة ، كم تقتلنى ثوانيها التى أشعر أنها سهام قاتلة مصوبة نحوى ، أترى هل هذا هو الهدوء الذى يسبق العاطفة ؟ بل الأصح أن أقول أنه الهدوء بين عاصفتين ، لكن ترى أيهما أعتى و أشد ؟ السالفة أم الآتية ؟ و هل من المحتمل أصلاً أن تكون هناك عاصفة أشد مما مررت به منذ دقائق ؟ هل هناك فى خيالات بنى البشر أصعب  مما رأيته و عشته طيلة السويعات الماضية ؟ كثيرون ممن أعرف قصوا علىّ قصصاً و روايات عايشوها ، دائماً كنت أسمع منهم عبارة مكررة : ” رأيت الموت بعينى ” ، و لم تعدُ تلك العبارة عندى حد المبالغة الوصفية للتنأكيد على هول الموقف ، أما اليوم ، فأكاد أقسم أن لو تمثل الموت لى يوماً بشراً سوياً لم أؤمن به مثلما آمنت به اليوم ، فاليوم حقاً رأيت الموت .

أبحث عن أى نوع من أنواع الساعات الآن ، لا لأعرف الوقت ، و لكن لأستعطفها و أتوسل إليها كى تنزيد من سرعة دوران عقاربها إلى السرعة القصوى ، فما أقسى دقائق الانتظار فى مثل تلك الأوقات ، و كم هى جديرة ، تلك الدقيقة الواحدة أن تقتلك صبراً ، أما أحتمل من الآلام ما فيه الكفاية ؟ جسدى الهزيل تلقى من اللكمات و ضربات العصى و ركل الأقدام ما لم أشاهده فى أفلام الحركة التى أهواها ، اللون الأحمر يكسو وجهى بين دماء و تورم جراء الصفعات التى تللقاها ذلك الوجه ( أو الذى كان وسيماً ) ، الآلام ترتع بكل جزء من جسدى ، و عظامى تكاد تتفتت من البرد بعد أن مزقوا ملابسى و تركونى للعراء فى تلك الليلة من شتاء يناير القارس ، لكن الألم الحقيقى هو ألم النفس و القلب ، تمزق وجدانى تحت سياط ملتهبة من السباب و اللعن لم ينجُ منه ضلع من أهلى و لا جزء من كرامتى ، أود الآن لو أنكب على أفدام أمى ، أغلى من أعرف ، لأقبلها و أطلب منها الصفح عما نالها من أبشع الصفات خلال ما سمعت اليوم ، ترى كيف هى الآن ؟ أراها تذوب خوفاً و قلقاً ، أكاد أسمع بكاءها و دعاءها ، ادعِ أماه ، فما أحوجنى الآن لدعائك .

يا الله ، ما للوقت قد توقف عند هذه الدقيقة القاتلة ؟ هل أعلنت عدادات الزمن إضرابها و نحن بين جدران هذه الزنزانة الكئيبة من هذا السجن الواقع بأحد الأطراف النائية للعاصمة ؟ هذه أول مرة فى حياتى أرى السجون و أدخلها ، و هى أيضاً المرة الأولى التى أعرف فيها كيف يسجن المرء و تهان كرامته بلا أى سبب ، و إلا فما السبب فى وجودى هنا ؟

هل لأنى كرهت الظلم و ضقت به ذرعاً و هو يسيطر على كل أركان حياتى ؟

هل لأنى أردت أن أقتل أشباح الفقر و المرض و الجهل التى أراها تسيطر على على حياة أينما أذهب ؟

هل لأنى قررت أن أدفع عنى من يمتصون دمائى و ينهبون خيراتى و يعبثون بمستقبلى ؟

لم أصرخ لأهين أحد أو أزعج أحد ، ما صرخت إلا لأمور يسيرة ” عيش .. حرية .. كرامة إنسانية  .. عدالة اجتماعية ” ، هل صارت تلك الحقوق فجأةً من المحلامات الممنوعة شرعاً و قانوناً ؟ إذا كانت الإجابة ” نعم ” فما المباح إذن ؟ و إن كانت ” لا ” فلم أنا هنا الآن مع هؤلاء الشباب ؟

لو عشات ألف عام فوق عمرى ، فلن تمحى من ذاكرتى لحظة من لحظات هذا اليوم التى تتراءى أمامى كلها  الآن ، لن أنسى صمودنا أمام ذلك المبنى ذو القبة الموقرة كما كانوا يصفونه ، و ما انتهكت أعراض هذا الوطن إل تحت تلك القبة الموقرة ، هناك رأيت هؤلاء الوحوش و هم يهاجمون تلك العجوز المسكينة ، لم أتمالك نفسى إلا و أنا بينها و بينهم رغم أن حجم الواحد منهم قد يبلغ من حجمى الثلاثة أضعاف ، لا أستطيع أن أصف ما دار حينها ، لكنى وجدت نفسى أحمل كالحقيبة و أقذف داخل عربة كبيرة مظلمة بعد أنا مزقت ملابسى ، لم تمكننى ظلمة تلك العربة من رؤية ما فيها ، لكننى شعرت بأنها تمتلئ بأمقالى ، رأيتهم حين فتح الباب و وصلت العربى إلى حيث تقام لنا التشريفة المعتادة ، و لربما نلنا حظ كبار الزوار ، لكن ما أعرفه ، بل ما رأيته هو حفل حقيقى أقامه لنا هؤلاء الذئاب بكل إخلاص ، بدأت مراسم ههذا الاحتفال السادى منذ لحظة وصولنا و لم تتوقف سوى منذ دقائق قليلة ، لا أعلم كيف سيستكمل الحفل ، هل بفقرات مشابهة من تعذيب و تنكيل و إهانة و سباب جماعى و فردى ؟ هل بالصفعات و الركلات و اللكمات ؟ أم هل بدأ الإعداد للمرحلة التالية بأركانها من سياط و صعق و كلاب كما شاهدت فى بعض الأفلام ؟ أم هل يبدبرون ما هو أقسى و أشد ؟ الله وحده الأعلم .

نعم لن أنسى تلك اللحظات المؤلمة ، و لكننى لن أنسى أيضاً تلك الوجوه الطيبة التى تشاركنى الآلام الآن ..

لن أنسى ذلك الشاب الشجاع الذى ذكرنى بعصر الفرسان ، لقد دافع عنى و عن بعض من الآخرين أمام هؤلاء الوحوش ، واجههم بجرأة و تحدٍ مذهلين قد يبدوان فى قالب الجنون أحياناً إن وُضع طرفا المواجهة فى الميزان و لن أنسى ابتسامته لى التى كانت مثل قطرات الماء فى يوم فائق الحر ..

لن أنسى ذلك الصبى صاحب الأعوام الأربعة عشر ، لم تمنعهم حداثة سنه من أن يذيقوه مثلما أذاقوا أبناء العشرينات ، و لكنى لا أجده يسهتز أو يبكى ، يا إلهى ، كيف تحلى هذا الصبى الصغير بتلك القوة العجيبة ، يبدو من هيئته أنه من عائلة ميسورة الحال و أنه يحيا حياة رغدة ، كيف يتحول هذا الصبى المدلل إلى إلى أسد يواجه هؤلاء الطغاة بشجاعة عجيبة ؟

لن أنسى ذلك الفتى النحيل الذى كان يقود هتافاتنا قبل أن نقع بين أيديهم ، فكان له بطبيعة الحال نصيب الأسد من الضربات المختلفة الأشكال و الألوان ، لم يتورعوا أن يضربوا جسده الضعيف رغم سقوطه على الأرض ، لم يصرخ كثيراً ، توقفت ضرباتهم فجأة ، نظر الجميع إليه ، عيناه جاحظتان ، فقاعات تخرج من فمه ، إنه بلا حراك ، لقد أعلنت روحه اكتفاءها من ظلم الدنيا و صعدت تشكو إلى بارئها ما فعله هؤلاء الأوغاد ، أكاد أشعر بهذه الروح الطاهرة ، تطوف بجنبات زنزانتنا الموحشة تطمئننا حيناً و تحملنا أمانة القصاص لها حيناً آخر ، أكاد أسمع ذلك الصوت الذى قادنا للهتاف ” ثورة ثورة حتى النصر .. مصر يا أم .. ولادك أهم .. راح يفدوكى بالروح و الدم ” ، أسمعه الآن يهتف هتافاً ” بأى ذنب قُتِلت ؟؟ ” .

طوفان من الخواطر ، إعصار من الأفكار يعصف بعقلى و قلبى يكاد يخلع كل منهما من مكانه ، عواصف الفكر تشتد ، و لكن تهب عاصفة مفاجئة تطغى بشدتها على كل جوارحى ، سؤال يقفز فجأة إلى ذهنى ، ماذا جرى لأخى الأكبر ؟ لقد نزل معى صبيحة اليوم إلى التظاهرات ، شاءت الأقدار أن نتفرق بين المسيرات ، أين هو الآن ؟ لن أستطيع أنت أعرف ما جرى له ؛ فقد أخذوا منى هاتفى المحمول ،  هل عاد للبيت ؟ أم يا ترى هل أصيب ؟ أم وقع بين أيدى زبتنية آخرين و ذهبوا به إلى جحيم آخر ؟ أم هل تراه قُتِل ؟؟

يا الله يا أرحم الراحمين ، ارحم عقلى و قلبى ، لن أتحمل أن يصيبه مكروه أو أذى ، لقد بتنا ليلتنا أمس سوياً نتشارك الحماس و الاستعداد لهذا اليوم ، لقد تحدينا أصدقاءنا بأن هذا اليوم سيكون يوماً فارقاً فى تاريخ مصر ، أذكره و هو يمسك بيدى و هو يقول لهم بشجاعة : ” غداً سنغير وجه مصر ، و ستعود العروس لبهائها ” ، كثيراً ما تحدث معى فى الأيام الماضية عن معانى التضحية و البذل ، كثيراً ما حدثنى عن اشتياقه للشهادة ثكيراً ما وصف لى هذا الوطن بالعروس الأسيرة التى تنتظر فارساً مغواراً لا يهاب الموت ليخلصها من براثن الأسر ، و أنه يحلم بأن يكون هذا الفارس ، أين أنت الآن أيها الفارس ؟ و أى المهور قدمت للعروس ؟؟

يبدو أن الثوانى قد أعلنت انتهاء مهمة إحدى الدقائق القاتلة و بدء مهمة دقيقة أخرى مشابهة ، لكن الصمت ينكسر فجأة ، أصوات المواصد و الأقفال و صرير باب الزنزانة يعلنان انتهاء السكون ، إنه أحد الزبانية يسد الباب بجثمانه الضخم و يدير نظره بالجميع ، و فجأة تتوقف نظراته أمامى ، يرمقنى بنظرة مخيفة و يقول لى : ” إنت يا له .. تعالى ”  ، ثم ينظر إلى ” على ” ، الفتى الصغير ، و يقول نفس الجملة ، أمسك على بيدى أو أمسكت أنا بيده ، لا أدرى أينا أمسك بيد الآخر ، قمنا و ذهبنا معه تاركين دعوات زملاء المحبس لنا ، سرنا مع ذلك العملاق فى طرقة طويلة ، تخالجنى نفسى بالمخاوف من المجهول الذى نحن فى طريقنا إليه ، إلى جحيم جديد نحن ذاهبون ؟ كم أتمنى أن أطمئنك يا على ، لكنى بحاجة إلى من يطمئننى .

فجأة يتوقف بنا العملاق أمام أحد الأبواب ، يدفعنا إلى داخله ، فإذا بحجرة كئيبة بها مكتب متهالك و بعض الكراسى ، يجلس شخصان تكاد النيران تخرج من عيونهما نحونا ، وقفنا أمامهم طويلاً و هم لا ينطقون ، ثم نطق أحدهم و هو ينظر إلى بطاقتى الشخصية : ” انكتب لك عمر جديد يا ابن الـ ـــــــــ ” ، ثم قام و وقف أمامى و نفخ دخان سيجارته فى وجهى ، و جذبنى من قميصى الممزق و قال و الشر يفيض من وجهه : ” عارف لو شوفتك تانى يا ابن الـ ــــــــ ، و حياة أمك لتكون آخر ساعة فى عمرك ” ، تركنى و التفت لعلى و صفعه على وجهه و قال له : ” الكلام ليك انت كمان يا أبو ـــــــ يا ــــــــ ” ، و ألقى إلىّ ببطاقتى الشخصية و قال : ” إفراج تحت السن .. غوروا ” ، ثم ساقنا العملاق إلى نحو البوابة لتعود بنا عربة الترحيلات إلى قلب المدينة .

يا إلهى ، لقد خرجت حقاً من هذا الجحيم ، لا أدرى هل أفرح أم أحزن ، هل نلت حريتى فعلاً ؟ أم قد خرجت من سجن صغير إلى سجن كبير ؟ هل أفرح بأننى نجوت منهم لأنى لم أبلغ بعد عامى الواحد و العشرين ؟ أم هل أحزن على ما رأيت و ما عشت خلال تلك الساعات ؟

ثلاث عشرة ساعة مرت بى بين أيدى هؤلاء العتاة ، لم يؤلمنى فيها شىء مثلما آلمنى و قتلنى سباب أمى ؟ هل تسامحنى على ما نالها ؟ و لكن إن سامحتنى أمى تلك ، فهل تسامحنى أمى الكبرى التى تركتها أنا و إخوتى و آبائى تُسَب و تُلعَن و يُنتهَك عرضها طيلة أعوام و أعوام دون أن نحرك أصبعاً للدفاع عنها ؟ لو كنا قد استطعنا اليوم أن نكسر صمتنا و خوفنا ، و هببنا للذود عنكِ ، فهل تسامحسننا يا مصر ؟

من نافذة عربة الترحيلات الضيقة ، رأيت هذا السجن يبتعد ، رمقته بنظرتى الأخيرة ، تذكرت أوجه هؤلاء الذئاب ،  و تذكرت قادتهم و أساتذتهم الكبار ، و قلت فى نفسى : ” استمتعوا بظلمكم أياماً و ما رسوا طغيانكم أياماً أخرى ، فقد اقترب أجل ظلمكم و طغيانكم ، و مهما طال ظلامكم ، فإن موعدكم الصبح ، أليس الصبح بقريب ؟؟ ” .

زيـــاد رشـــدى

13 – 6 – 2011

عذراً

Posted: 20 مايو 2011 in عام

أعتذر كثيراً عن عدم اهتمامى بالمدونة الفترة الماضية

و أعتذر عن عدم نشر تدوينات جديدة لظروف انشغالى الشديد

مع وعد باهتمام أكثر و أكثر الفترة القادمة .. ولا سيما بعد الامتحانات

و شكراً

 

إذا قابلت أحدهم و سألته عن عدد أبنائه فوجدته يقول : ” عندى بنت واحدة توأم ” ، ثم أكمل الإفيه السخيف معللاً : ” بتقلب بالليل ” ، فلا تتعجب ولا تندهش ، فهذه هى سمة العصر ، الكل يقلب و يتحول بالليل و بالصبح و فى أى وقت و أى حالة حسب ما يستدعيه الموقف ، و إذا وجدت شخصاً يلعب يميناً و يساراً و على كل الأوتار و فى كل الاتجاهات فلا داعى للدهشة ، فهو يؤمن بمبدأ اللاعب الحر ، يمكن ربنا يكرمه بعقد فى الأهلى أو حتى أسمنت أسيوط ، المهم أن يكون هدافاً ، حتى و إن ذهب باقى الفريق إلى …… .

  ازدواجية عجيبة صارت تسيطر على مجتمعنا سواءً كنا نتحدث عن الأفراد او الجماعات أو التيارات أو حتى المؤسسات و الحكومات ، لا أراها اختلفت كثيراً بين حالها قبل الثورة أو بعدها ، و إن كانت الثورة قد فضحت الكثيرين و أسقطعت الكثير من الأقنعة ، سواء فى ملاعب السياسة أو الإعلام أو الثقافة أو الفن ، لكن الأمر أصبح أشبه بالميكروب ، يستشرى بغرابة و بتأثير متفاوت ، لكنه حاضر عند الأغلبية ، و ربما يكون مرضاً من الأمراض التى خلفها لنا العصر البائد ، يضاف لقائمة طويلة تضم الفشل الكلوى و السرطان و الفيروسات الكبدية و غيرها من هدايا عصر مبارك لصحة المصريين ، نرى تلك الازدواجية فى المعايير و الكيل بمكيالين منعكسين على أحاديث النخب السياسة و الثقافية و الإعلامية ، حتى انعكس الأمر على رجل الشارع ، فإلى أين سيصل ؟؟

 لم أندهش من التحولات السحرية التى طرأت على أغلب مهللى النظام السابق عقب سقوط مبارك مباشرة على طريقة ” مات الملك .. عاش الملك ” ، و لم أتعجب من أحاديثهم المتوالية عن عظمة الثورة و بشاعة فساد النظام الذى كانوا جزءاً منه ، حتى عندما بلغ الحد منهم أن حاولوا وصف أنفسهم بمفجرى الثورة ، فتلك هى شيم  الكاذب المتمرس ، أما أن أجد الأمر يظهر جلياً فى هذه الأيام  فهذا أمر خطير ..

  فالذين هاجموا مظاهرات السلفيين بشدة و اعتبروها خطراً على الأمن العام لم يعتبروا مظاهرات الأقباط أمام ماسبيرو بهذه الخطورة ، و الذين هاجوا و ماجوا عندما قطعت أذن أحد المواطنين فى الصعيد لم ينطقوا بكلمة إزاء الجريمة البشعة التى قتلت فيها ” سلوى عادل ” التى أسلمت فقتلها إخوتها هى و ابنها و حاولوا قتل زوجها و ابنها الآخر ، هل هذا من المقبول يا سادة ؟؟

 السلفيون اليوم يثورون من أجل كاميليا و وفاء ، فأين كانوا حينما قتل الشهيد ” سيد بلال ” الشاب السلفى الذى قتل بالتعذيب على يد زبانية نظام مبارك و العادلى ؟

 الإخوان الذين يعلنون تطوير الجماعة و تجديد دمائها ، و يعلنون أن الحزب سيستقل عن الجماعة ، ثم نجد رئيس الحزب و نائبه يخرجون من مكتب الإرشاد و يختارهم مجلس شورى الجماعة ، بل و هما بعيدان عن الفكر التجديدى للجماعة ..

 الليبراليون ينادون و يتشدقون بحرية الفكر و الرأى ، و فى المقابل تجدهم يدعون لإلغاء فصيل فكرى و سياسى بأكمله فقط لأنه لا يتوافق مع ما يريدون ..

 بل و الأعجب من هذا و ذاك ، أن تجد بعض من كانوا محسوبين بآراءهم و أعمالهم على النظام القديم ، تجدهم اليوم سيمع لهم و يؤخذ بآرائهم و يقال لهم : ” يا سلام .. قول يا أستاذ كمان و كمان ” !!

 قد أكون مبالغاً ، لكنى لست جاهلاً ، و أعلم تمام العلم أن الأمر ليس وباءً استشرى بين الجميع ، و أن هناك من هم أصحاب كلمة و رأى و ثبات ، أحترمهم و أرفع لهم القبعة حتى و إن كانوا مخالفين لرأيى ، و لم أتحدث فى هذا الأمر لأتصيد الأخطاء لهذا أو لذاك أو للتشكيك فى مصداقية أى أحد ، و لا أسعى لتعليق المشانق لأقل الأخطاء ، لكننى وددت أن أحذر من أن تصبح المعايير المزدوجة و سياسة الكيل بمكيالين فكرة عامة ، و أخشى أن أجد المجتمع بالكامل يعانى من شيزوفرينيا الأحكام و الأفكار ،  و عندها لن نحقق العدالة التى نرجوها و التى كانت أعظم غاية أسقطنا من أجلها نظام مبارك البائد ، و يتردد فى أذنى قول ربنا عز و جل : ” يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ كُونُواْ قَوَّامِينَ لِلّهِ شُهَدَاء بِالْقِسْطِ وَلا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَى أَلا تَعْدِلُواْ اعْدِلُواْ هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى وَاتَّقُواْ اللّهَ إِنَّ اللّهَ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ ” ( المائدة – 8 ) ، فهل ننتبه و نجعل الإنصاف و الثبات على الحق مبدأ هذه المرحلة ، أم نودى بأنفسنا إلى ما لا تحمد عقباه ؟؟

 معظم النار من مستصغر الشرر ، و الطواغيت لا تترعرع فى بيئات العدل و الإنصاف ، فلنحطم طاغوت مبارك من أنفسنا ، و إلا فموعدنا القادم مع مبارك جديد ، و لكن باسم مستعار و وجه مختلف .

http://www.facebook.com/note

زيـــاد رشـــدى

4– 5 –2011

 

كتبت هذا المقال قبل انتخابات مجلس الشعب الماضية فى 2010 ..

=============================

أخى المواطن المصرى المسكين الكادح ، يا من قصمت الحياة ظهرك و أثقلت الهموم حملك و كثرت الأحمال على عاتقك ، يا من أفنيت العمر انتطاراً لدورك في طوابير لا نهائية بين طابور الخبز و طابور الجمعية الاستهلاكية و طابور المعاشات و طابور السجل المدنى و سلسلة طويلة من الطوابير ، يامن صرت تسير في الشارع مصدوماً من كيلو اللحم الذى قد يقارب يوماً كيلو الذهب ، وصعقت حينما أصبحت الطماطم على حين غرة نادرة ندرة حيوان الباندا ، يامن لطمتك الحياة بين مدارس و جامعات أقنعتك أنها تعطيك العلم اللدنى ، ثم اكتشفت فيما بعد أنها لم تعلمك شيئاً ، يا من صرت تحلم بأن تجد مكاناً في الأوتوبيس تتعلق به تماماً كلاعبي الجمباز ، أدعوك الآن أخى المسكين لفاصل كوميدى قد يستمر لفترة ليست بالقصيرة ، و أعلم تماماً مدى احتياجك لمثل هذا الفاصل لتغسل به كآبتك وأحزانك ، و ذلك بعد أن صارت القنوات الكوميدية تتسابق فى تقديم مللها و عقمها لك ، لكنى الآن أعدك بالكوميديا الحقيقية ، فالآن موعدك مع العرض المنتظر الذى لا يأتى إلا كل خمسة أعوام ، العرض الذى ينتظره الملايين و يقدمه باقة من أبرع نجوم الكوميديا ، أقدم لك و بكل فخر انتخابات مجلس الشعب ………

تكثر بالفعل التفاصيل و الأحداث التى تثير الدهشة و الضحك أيضاً في هذا الحدث الذى تترقبه مصر كل خمسة أعوام لتشاهد تلك المسرحية الهزلية في كثير من أجزائها ، لكن دعونا نأخذ جانباً واحداً من الجوانب العديدة لذلك الحدث ، ليس هو جانب تهميش الانتخابات أو تغيير مفاهيمها لدى الشعب ، و ليس هو جانب التقسيم العجيب لأعضاء مجلس الشعب الذى فوجئنا به هذا العام و الذى يعجز الأطلس عن شرحه ، وليس هو جانب تفصيل النتائج بشكل لا يستطيع الجن الوصول إليه ، دعونا من كل هذا ، وتعالو نشاهد هذا المشهد الممتع ، مشهد إسمه : الدعاية الانتخابية .

لم تشأ الأقدار أن أكون رحالة يجوب البلاد بحثا عن الحقيقة الضائعة ، و لكنى لم أكن محتاجاً لذلك لكى أرى في الدعايات الانتخابية لمرشحينا العظام عجب العجاب ، يكفينى ما أراه في دائرتى العزيزة ، ويزيد ذلك ثراءً الدوائر التى أمر بها خلال انتقالى لمدينة أخرى للدراسة ، فضلاً عن روايات الأصدقاء و المعارف من دوائر عديدة ، كما أن التكنولو جيا الحديثة فتحت لنا الأبواب لنشاهد ما يبعد عنا آلاف الكيلومترات ، و أعتقد انى شبعت مما رأيته ، و سمعته ، حتى صرت أخشى الآن على نفسي من رؤية المزيد .

اعتدنا كثيراً على أن نشاهد في كل انتخابات فنونا من أساليب الدعاية التى يتبعها كل مرشح ، مطبوعات بأنواع و أحجام و أشكال مختلفة ، مؤتمرات عظيمة وسرادقات ضخمة ، هدايا و أموال و أطعمة توزع بالمجان ، وأناس لاتدرى من أين يأتون يهتفون لهذا أو ذاك ، وأكاد أقسم أن تلك الأموال التى تصرف في الدورة الانتخابية الواحدة خلال تلك الشهور القصيرة لكفيلة بسداد ديون مصر ، ولكن لن تكون هذه هى الغصة الوحيدة التى ستقف بحلقنا ، فمع مرور الوقت يزداد الهزل ، و اذا أردت أن ترى قمة الهزل تراه يتجلى في استخدام الآيات القرآنية ، و التى هى أطهر و أكرم و أعظم من استخدامها بهذا الشكل المزرى ، و بالطبع اعتدنا على بعض الآيات مثل قوله تعالى : “إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت و ما توفيقي إلا بالله ” ، ولا تدرى عن أى إصلاح يتحدث المرشح ، كما نرى آيات مثل قوله تعالى :” وما النصر إلا من عند الله ” و أيضا : ” إن تنصروا الله ينصركم و يثبت أقدامكم ” وكأنها معركة حربية سيخوضها هذا المرشح المؤمن ضد كفار قريش !! و بالطبع من أجل أن يضع نفسه في أبهى صورة ترى قوله تعالى : ” من المؤمنين رجال صدقو ما عاهدوا الله عليه ” ، ولا تعليق ، لكن تجد هذا العام بعض الاقتباسات الغريبة من القرآن ، لاتدل إلا عن جهل صاحبها ، فمثلا تجد أحدهم يستخدم قول الله تعالى : ” وإنه لحب الخير لشديد ” ، معتبرا بجهله أنها مدح ، و لو هداه فكره المريض لأن يرجع إلى أى من كتب التفسير لوجد أنه اعترف على نفسه ، لكن أعجبنى كثيرا أحد المرشحين حين فضل أن يتذاكى على أهل دائرته حين استخدم قوله تعالى : ” وعسي أن تكرهوا شيئا هو خير لكم ” ، أما عن محاولات التملق و النفاق فحدث ولا حرج ، فيكفي أن تجد أحد المرشحين يطبع إعلاناً كبيراً واضعا عليه صورة السيد ” جمال ” مكتوباً عليها حديث رسول الله (صلى الله عليه و سلم ) ” إن الله جميل يحب الجمال ” ، و ياله من اقتباس ، ولو أكملت ذكر الأمثلة فلن أنتهى من هذا المقال ، و لن أحاول أن أحاسب أو أدعو لمحاسبة هؤلاء المرشحين على اقتباساتهم من القرآن و السنة و الذى لا أجد له وصفاً إلا أنه إهانة لهما لا تليق بمقامها الشريف و العظيم ، ولنتركهم لحسابهم مع الله ، فحسابه أقسى و أشد ، إلا من رحم ربي ، لكن أطرح سؤالا بريئاً بلا أى حساسيات ، أليست تلك الآيات و الأحاديث تعتبر شعارات دينية ؟ نرجو الإفادة من علماء الانتخابات ، و ما أكثرهم اليوم .

حتى لو ابتعدنا عن نطاق الآيات و الأحاديث و الاقتباسات الدينية ، فلن تتوقف تلك الكوميديا فستجد أيضا في الشعارات جملاً مثيرةً للانتباه و الدهشة و الضحك في أحيان عديدة ، كأن يكتب أحد المرشحين مثلا : “عاد إليكم من جديد ” (على أساس إنه كابتن ماجد ) ، وتجد آخر يقرر أن يتقمص دور أوباما فيقولها عالية مدوية : ” نعم نستطيع ” ولا أعلم ما الذى سنستطيع فعله ، وتجد آخر حالما رومانسيا يقول لك ” عشان الحب في دمنا … هننتخب ـــــــ كلنا ” ، و كأنه هانى شاكر أو كاظم الساهر ، فضلاً عن أن تكتشف مفاجأة كبيرة و هى أن هذا المرشح هو إبنكم و أخيكم و خادمكم المطيع ، وتجده بدون سابق إنذار منكم و بكم ولكم وفيكم و كل حروف الجر في لغتنا العربية ، و الغريب أنه في غير هذه المناسبة لا تجد أحداً من حروف الجر تلك بسهولة و كأنها أخفيت من اللغة العربية ، فلنستعد إذن سويا بعد فترة ليست بالطويلة بالبحث عنها ، ومن يجدها فليخبرنى .

لم أكتب تلك الكلمات لأسخر من أحد أو انتقص من قدر أحد ، و لا أكتبها لأهاجم أحداً بعينه أو أحسن موقف أحد ، فلست إلا شاب بسيط ، يحلم بأن يرى هذه البلد في مقدمة الصف ، حاول أن يعمل عقله قليلا و يبحث فيما يدور حوله ، لكنها والله شر البلية ما يضحك ، فلنضحك قليلاً علنا لا نجد الضحك فيما هو من قادم الأيام ، ولكن بعد أن نضحك لابد أن نفكر ونفهم ونرى ما يحدث حولنا ، فقد علمنا آباؤنا و أجدادنا أن مابنى على باطل فكله باطل ، وليس ما ذكرته إلا غيض من فيض تلك المهزلة الديمقراطية التى أصبحت نقطة سوداء في الحياة السياسية لهذا البلد حتى أصابت الكثيرين باليأس من المستقبل ، فأن تدار وتتم تلك الانتخابات بهذا الشكل لهو أمر يدعو للاشمئزاز و الأسى ، ولكن لا تجد وصفا أدق مما قاله المصطفي (صلى الله عليه وسلم ) : ” إن مما أدرك الناس من كلام النبوة الأولى : إذا لم تستح فافعل ماشئت ” ، صدقت أيها الصادق المصدوق ، فلقد أصبح الكثيرون يفعلون مايشاءون بلاحياء أو تورع ، و لا يدفع الثمن إلا المساكين أمثالى ، ولكن لنمسك بالقليل من خيوط الأمل لعلها تقودنا إلى النور ، فاليأس لن يقودنا أبداً إلا للهلاك ، وحتى موعد آخر لن يكون بالبعيد ، فهو بعد عام واحد فقط أو أقل ، دعونا نشاهد ما يحدث فيه ، آملين ألا يحتوى على الكثير من هذه الكوميديا الحزينة ، وحتى ذلك الموعد ، أتمنى لكم مشاهدة ممتعة .

زيـــاد رشـــدى

20-11-2010

أن تقوم فلول الحزب الوطنى و عناصر أمن الدولة بعمل خفافيش الظلام فى هذه المرحلة من أجل إفساد الثورة المصرية و التفنن فى التنكيد على الشعب المصرى كما كانت هوايتهم المفضلة ، فهو أمر بديهى و طبيعى ..

أن تصنع هذه الفلول ما اتفقنا على تسميته بالثورة المضادة أو أياً كان المسمى ، فهو شىء متوقع من نظام فاسد وجد نفسه فجأة تحت مقصلة العدالة الشعبية ..

أن تظهر هذه الخفافيش فى المبالغة فى المظاهرات الفئوية .. ماشى ، و أن تظهر فى توليع معركة الاستفتاء بين فريقى نعم و لا .. عادى
أما أن تطل علينا هذه الخفافيش من مدرجات الدرجة الثالثة يمين من استاد القاهرة ، فهو ده اللى كان ناقص ..

بداية أحب أن أعلن من هنا أننى قد حسمت قرارى من بعد الثورة بأن أعتزل متابعة الكرة المصرية ، بعد أن كنت مصاباً بمرض هوس الكرة ، و لكن ما الفائدة من متابعة بعض الأشخاص الذين يتعاطون الملايين و لا أستفيد منهم بشىء سوى حرق الدم و الخنقة ، و يوم أن احتجت أن يقفوا إلى جانبى فى موقف ما وجدتهم وقفوا ضدى ، لكن أياً كان ، فما حدث بالأمس فى استاد القاهرة فى مباراة الزمالك المصرى و الإفريقى التونسى أكبر من مجرد حادث شغب كبير فى مباراة كرة قدم أو حتى انفلات أمنى فى الاستاد ، توقيت الحدث و شكله و أطرافه تجبرنا على أن ننظر للمغزى الأعمق الذى يخفيه ، و ليس من قبيل نظرية المؤامرة ، و لكنها وقائع فعلية و ظروف نعيشها ، و حادث غريب و غير مبرر أو مفهوم فرض نفسه ، فكان لا بد من إعمال العقل و لو قليلاً ربما نستطيع فهم ما حدث ، و أؤكد أن ما أقوله الآن هو وجهة نظرى الشخصية لك أن تقتنع بها أو لا ، لكنى لن أبنيها سوى على حقائق ، و الله وحده الأعلم بالحقيقة كاملة .

إذا حاولنا أن ننظر سريعاً لما حول الحدث فماذا سنجد ؟

مباراة فى كرة القدم فى بلد لم يلعب فيها منذ حوالى ثلاثة أشهر أكثر من مباراتين ، ظروف أمنية مضطربة و شرطة لم تعد إلى عملها و وضعها الطبيعى بلا أى مبرر مقنع ، طرفى المباراة فريقين من مصر و تونس ، البلدين صاحبتى الثورتين الناجحتين ، كلاهما محط أنظار العالم أجمع ، و بخاصة العالم العربى ، و بغض النظر عن ظروف المباراة لكلا الفريقين ، ماذا حدث إذن ؟؟

الزمالك – كالعادة – منهزم بمجموع نتيجتى المباراتين ، فى أولى دقائق الوقت بدل الضائع ، ينزل أحد الجماهير إلى الملعب ، لا تدرى ماذا يريد تحديداً أن يفعل ، يتبعه بعد ذلك الواحد تلو الآخر ، و فجأة مئات و ربما الآلاف من الجماهير يجتاحون أرض الملعب فى مشهد يظهر لأول مرة فى الرياضة المصرية ، هجوم غير مبرر على لاعبى الفريق التونسى ، تحطيم و تكسير لمقدرات الملعب من مقاعد و لوحات إعلانات و غيرها ، فوضى عارمة فى الملعب ، و لا داعى لسرد مزيد من التفاصيل رآها الجميع بعينيه على الشاشات ، هنا اسمحوا لى أن أنوه لبعض الملاحظات البسيطة التى حدثت ، و ربما نلتقط بعض أطراف الخيط .

– عدد من الأشخاص يجتاحون بوابة استاد القاهرة الساعة العاشرة و النصف صباح يوم المباراة حاملين عصى و أسلحة بيضاء ، هل هذا جمهور كرة قدم أو سبق رؤية أمثلهم فى المباريات ؟؟ و كيف تركوا ليدخلوا بالأساس ؟؟
– عندما قفز أول شخص داخل الملعب ، و هو أحد قادة الألتراس التى طالما قلت أنها قنبلة موقوتة و يجب أن تراقب جيداً ، اندفعت الجماهير من ناحية نفس المدرج فى الدرجة الثالثة يمين ، الغريب أنها اندفعت من خلال بوابة مفتوحة على الملعب ، علل .
– تحية فخر و اعتزاز و تقدير و تبجيل للسيد اللواء عبد العزيز أمين مدير الاستاد الذى استطاع بصراحة أن يوفر مجموعة من الكوبارس الصامت الذين أدوا دور الأمن بالضبط كما يؤديه الكرسى الأنتيكة فى الصالة ، و تحبة إلى الكابات الشيك التى كانوا يلبسونها .
– حزنت كثيراً عندما لم أشاهد عساكر الأمن المركزى بخوذاتهم و دروعهم ، لكن انشرح صدرى عندما شاهدتهم داخل الملعب وسط المعمعة ، و لكنهم يحظون بمتعة فقدها كل المتفرجون و هى مشاهدة الأحداث من قلب الحدث ، أما الحديث عن تدخلهم و محاولتهم لاحتواء الأمر أو تأمين أى أحد ، فكتر خيرهم أنهم استطاعوا بالفعل أن يؤمنوا بعضهم البعض على طريقة : ” خدوا بالكم من بعض يا ولاد و امسكوا إيدين بعض كويس ” !!

لن أنتهى من الملاحظات لأنها كثيرة ، و لكن دعونا نحسب النتائج الطبيعية لما حدث ، و لنحاول أن نفكر أكثر عمقاً

– من البديهى تماماً بعد ما حدث فى هذه المباراة ألا تقام مباريات أخرى خلال شهر قادم إلا للضرورة ، و بالتالى فإن خطوة تأجيل الدورى لأجل غير مسمى قد تكون تمهيداً لإلغائه ، و بالطبع فى هذه الحالة لن يهدأ اللاعبون الذين يأخذون الملايين ، و بالتالى لن يهدأ إعلاميو الكرة الذين صاروا أكثر من الهم على القلب ، و معهم يشتعل قطاع من الشعب ليس بالقليل ، حتى و إن كانت الكرة لا تمثل لهم أى أهمية ، و لكنها أفيونتهم التى تعودوا على تعاطيها ، و إذا حرموا منها ، فالغضب و الحنق نتيجة طبيعية ، و عندها تتجه أصابع الاتهام لا إرادياً فى اتجاه واحد ، 25 يناير .
– هذا هو وجه تلك الثورة المزعومة يظهر على حقيقته و طبيعته الهمجية الغوغائية ، هكذا يبدأ الشعور العام لدى الفئة التى لا زالت مرتابة من أمر الثورة حتى الآن ، و قد يصبح شعوراً عاماً لدى متابعى الثورة المصرية من خارج مصر ، و هكذا نفقد جزءاً كبيراً من التعاطف العالمى مع الثورة ، و الأخطر بالفعل أن يبدأ هذا الشعور بالتسرب داخل المجتمع ، و اسمحولى أن أعطيكم عينة فى هذا الفيديو تعتبر إنذاراً للمتابعين

– كنتيجة طبيعية للنقطة السابقة خاصةً فيما يتعلق بالخارج ، ما حدث قد يكون كارت إرهاب لمن يفكر أن يعود بسياحته لمصر ، و بالتالى طعنة جديدة فى ظهر السياح فى مصر ، و كأننا ناقصين .
– أظهرت الثورات العربية التى تحدث هذه الأيام لحمة رائعة بين الشعوب العربية و توحداً بينها على هدف واحد و هو رفض الظلم ، و لا شك أن التلاحم الخاص الذى كان بين مصر و تونس له طابع مميز ، فتونس كانت صاحبة الشرارة الأولى ، و مصر هى القائد و المعلم ، لذا فقد كان ما حدث ضربة فى الصميم ، خاصة و أن الكل كان ينتظر احتفالاً جميلاً بالثورتين ، و لكن تحدث تلك النكسة ، و يكون الاعتداء غير المبرر على اللاعبين التونسيين نقطة سيئة فى الرابطة الجديدة القوية بين البلدين ، و يساعد على توسيعها جهل بعض الجهال فى التعامل مع الأمور ، كما فعل حسام حسن الذى تطاول على الإعلامى التونسى دون وجه حق ، و ربما يستعيد البعض بغباءٍ متناهٍ أحداث مباراة الجزائر و يحاول التشبيه ، فحقاً لكل داء دواء إلا الغباء .
– مؤشر جديد و مستمر على حالة الفوضى و الانفلات الأمنى فى البلاد ، و تساؤل هنا و هناك ، متى تنتهى تلك الحالة ؟؟
– عودة ساذجة للتفاهة التى كنا قد اقتربنا من التخلص منها ، و الحديث عن الأهلى و الزمالك ، و يبدأ التراشق بين بعض ” الفاضيين ” ، ليتحوب الأمر بشكل ما لحوار جدلى عقيم بين الجمهورين ، طالما عانينا منه ، و طالما تسبب فى تأخرنا ، و هنا لن يتسبب فى تأخرنا فقط ، بل قد يتسبب فى إهدار دماء الشهداء مقابل بعض التفاهات التى لا تسمن و لا تغنى من جوع .

كل تلك النتائج المتوقعة و غيرها ليست إلا سهاماً مسمومة تصيب الثورة ، و توجه لها ضربة قاصمة ، فكل ما حدث لا يحمل فى طياته إلا الخراب و الخسارة للثورة ، لم يسبق أن حدث مثل هذا الحدث تحت أى ظرف من الظروف ، الزمالك يخسر أكثر مما يفوز ، و التوأم عادة ما يقضيان معظم أوقات المباريات فى الاعتراض على الحكام و التشنج و العصبية ، و طالما رأينا حكاماً أسوأ بكثير ، أى أن الموقف الكروى طالما مرت الجماهير بأسوأ منه بمراحل ، و لم يحدث معشار ما حدث ، فالمبررات الكروية التى قد يسوقها البعض مرفوضة من وجهة نظرى ، فلماذا إذن نستبعد أن يكون ماحدث من صناعة أعداء الثورة ؟؟ فهل لغيرهم مصلحة فى ذلك ؟ و هل يقبل أو يعقل أن يكون الأمر مجرد حادث عفوى غير مدبر بعد ما ذكر من ملاحظات و قرائن ؟؟ اعتبروا يا أولى الألباب .

إن محاولة تحويل الأمر لمجرد حادث شغب أو فوضى فى مبارة تسطيح سىء للأمر ، و يغض الطرف عن خطر محدق بدأ يكشر عن أنيابه بقذارة فى الأيام الماضية ، و كأن أحداً ما يعاقبنا شيئاً فشيئاً على الثورة ، منتظراً حتى نرضخ تماماً ليعود و ينقض علينا جاثماً على أنفاسنا من جديد ، أما حديث البعض عن أن هذه طبيعة الشعب المصرى الهمجية و أنه لم يتغير ، فأقول له أن مصر الحقيقية ظهرت طيلة 18 يوماً أجبرت العالم أجمع على الانحناء احتراماً لهذا الشعب و تحضره و رقيه ، أما هؤلاء ففتش عنهم فى دفاتر مظاهرات ميدان مصطفى محمود، و فتش عنهم فيمن اقتحموا الميدان بالجمال و الخيول ، و فتش عنهم فيمن هاجموا الثوار بالحجارة و المولوتوف ، أو ربما فتش عنهم فيمن جلسوا مثلك واضعين الكف على الخد ليستمتعوا بالفرجة على الشىء المسمى بالثورة ، فهل نستمر فى تسطيح الأمور ؟ أم ننتبه لثورتنا التى قد تضيع من أيدينا فى لحظات الغفلة ؟؟
أرجوكم و أتوسل إليكم ، كونوا على القدر المطلوب من الوعى و اليقظة لأعدائكم الذين لن يتوقفوا عما يفعلونه بسهولة ، فلا تضيعوا ما حققتموه ، ولا تهدروا دماء إخوانكم الشهداء ، ثورتنا مستمرة ، و الثورة المضادة ما زالت مستمرة ، حتى و إن كانت من التالتة يمين .

==================================

سؤال هامشى غير برىء .. أين الشرطة ؟ و أين دورها ؟ و أين سيطرتها الحقيقية و الواجبة على الأمن ؟
و هل من مبرر منطقى لاختفائها ؟؟

زيــــاد رشــــدى
4-4-2011